المحقق البحراني
47
الكشكول
رجع : وحدثنا والدي بالسند المذكور أنه قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ان عليّا لأخيشن في ذات اللّه » توضيح : الأخيشن تصغير أخشن أفعل تفضيل من خشن خشونة ضد لأن ، قال في الأساس : ومن المجاز فلان خشن في دينه إذا كان متشددا فيه - انتهى . والتصغير هنا للتعظيم كقوله : ( دويهية تصفر منها الأنامل ) . واخيشن ممنوع من الصرف لوزن الفعل المفتح بزيادة هي بالفعل أولى من الصفة لأن مدار وزن الفعل المذكور على وجود الزيادة وإن زالت صورته ، وهذه فائدة قلّ من نبه عليها . « وذات اللّه » عبارة عما يضاف إليه سبحانه من الأوامر والحدود والأحكام كجنب اللّه في قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وفيه شاذ على استعمال « ذات اللّه » بهذا المعنى ورد على ما أنكره على أنه قد حكى عن صاحب التكملة جعل اللّه ما بيننا في ذاته وقال أبو تمام : ( ويضرب في ذات الاله ) ويرجع والمعنى أنه عليه السّلام شديد التصلب والتشدد في الأمور الإلهية لا يداري فيها ولا يداهن ولا يأخذه لومة لائم . رجع : وبالسند المذكور أيضا أنه قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن عليّا عليه السّلام ممسوس في ذات اللّه » توضيح في الإمساس : رجل ممسوس مجنون ، وفي الجمل : الممسوس الذي فيه مس من جن - انتهى . وهو أما على التشبيه بحذف الأداة أو على الاستعارة كقوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ولأئمة البيان خلاف في هل يسمى ذلك تشبيها أو استعارة والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة . ولبعضهم في ذلك تفصيل ذكرناه في أنوار الربيع . والحاصل انه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شبهه عليه السّلام في تشدده وتصلبه في الأمور الإلهية وعدم ملاحظته للوم لائم أو رعاية جانب بالمجنون الذي لا يبالي بما يقال فيه من لوم أو مذمة ، ولذلك نسبه أعداؤه إلى الحمق وعدم المعرفة بتدبير الحروب واستمالة قلوب الرجال حتى فارقه كثير من أصحابه والتحقوا بمعاوية ، وهو عليه السّلام لا يلتفت إلى شيء من ذلك في التصميم على ايثار الحق والعدل والعمل بهما ولو كره الكافرون . حكى الشعبي : قال : دخلت الكوفة وأنا غلام في غلمان ، فإذا أنا بعلي بن أبي طالب عليه السّلام قائما على صبرتين من ذهب وفضة ، فقسم ما بين الناس حتى لم يبق شيء ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولا كثيرا ، فرجعت إلى أبي وقلت : لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس . قال : من هو ؟ قلت : علي بن أبي طالب عليه السّلام رأيته يصنع كذا فقصصت عليه فبكى وقال : يا بني بل رأيت خير الناس .